محمد باقر الملكي الميانجي

25

مناهج البيان في تفسير القرآن

عاد من ساعته فقال : إقرأ يا محمد : « قَدْ نَرى تَقَلُّبَ . . . » . قوله تعالى : « فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ » . أي : صرّف وجهك . والشطر : الجهة والناحية . قال في لسان العرب 4 / 408 : وشطر الشيء : ناحيته . وشطر كلّ شيء : نحوه وقصده . وقصدت شطره أي : نحوه . . . . ولّ وجهك شطره وتجاهه . وإطلاق الأمر يقتضي الوجوب مطلقا سواء كان في الفرائض أو في النوافل ، وفي جميع الحالات بالعناوين الأوّليّة وغيرها من حال الشكّ في القبلة والتحيّر فيها ، إلّا أنّ هذا الإطلاق في معرض التقييد فلا ينافي ما ورد في تخصيصه من عدم اشتراط الاستقبال في النوافل ، وفي غيرها من العناوين الثانويّة . فالمعنى : صرّف وجهك نحو المسجد الحرام . وتصريف الوجه نحو المسجد الحرام باعتبار احتوائه الكعبة المكرّمة لا أنّه قبلة في قبال الكعبة . ومنه يعلم أنّه لا وجه لإعمال المعارضة بين ما دلّ على أنّ القبلة عين الكعبة وبين ما ورد أنّها المسجد أو الحرم . ولعلّ سرّ هذا التعبير في الآية الكريمة وفي الروايات الواردة في أنّ اللّه تعالى جعل الكعبة قبلة لأهل المسجد ، وجعل المسجد قبلة لأهل الحرم ، وجعل الحرم قبلة لأهل الدّنيا ، ( وسائل الشيعة 4 / 303 ) ، هي التوسعة من حيث الاستقبال . فعين الكعبة هي القبلة مطلقا إلّا أنّ التوسعة في استقبالها وإحرازها وإحراز الجهة الّتي هي فيها ، تسهيل للأمر على العامة . والطرق الّتي وردت في الروايات ليست على الدقّة العلميّة لإحراز العين بل جميعها لإحراز الجهة الّتي هي فيها ، فلا مناص من القول بأنّ التوجّه نحو المسجد الحرام بلحاظ الطريقيّة إلى الكعبة لا من أجل استقلاله في كون المسجد الحرام قبلة . فهذا إنجاز لما وعد اللّه سبحانه حبيبه وصفيّه أن يعطيه قبلة يرضاها ، فقد استجاب اللّه دعوته وأكرمه بإعطائه أمله وسؤله ، وأمره تعالى أن يصرف وجهه شطر المسجد الحرام وجعلها قبلة له صلّى اللّه عليه وآله ولأمّته ، ونسخ بها قبلة بيت المقدس الّتي كان يصلّي إليها . وما جعل اللّه تعالى بيت المقدس قبلة له صلّى